الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
254
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
صدقنا ، فكم من مريض لم يعالج حتى مات ( 1 ) . وفي ( المروج ) أيضا : توفى أحمد بن حنبل سنة ( 241 ) وحضر جنازته خلق من الناس لم ير مثله فيمن قبله ، وكان للعامة فيه كلام كثير جرى بينهم بالعكس والضدّ في الأمور ، منها : أن رجلا منهم كان ينادي العنوا الواقف عند الشبهات ، يريد ابن حنبل وهذا بالضد عمّا جاء عن صاحب الشريعة ( 2 ) . وقال الجاحظ : ومن أخلاق العامّة أن يسوّدوا غير السيّد ، ويفضّلوا غير الفاضل ويقولوا بغير علم ، وهم أتباع من سبق إليهم من غير تمييز بين الفاضل والمفضول والفضل والنقصان ، ولا معرفة للحق من الباطل عندهم ، ولا ترى العامة الدهر إلا مرقلين إلى قائد دبّ ، وضارب بدف على سياسة قرد ، أو متشوقين إلى اللهو واللعب ، أو مختلفين إلى مشعبد متنمس ممخرق ، أو مستمعين إلى قاصّ كذّاب ، أو مجتمعين حول مضروب ، أو وقوفا عند مصلوب ينعق بهم ويصاح بهم ، لا ينكرون منكرا ، ولا يعرفون معروفا ولا يبالون أن يلحقوا البارّ بالفاجر والمؤمن بالكافر ، وقد بيّن ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث يقول « الناس اثنان : عالم ، ومتعلّم ، وما عدا ذلك همج رعاع لا يعبأ اللّه بهم » ، وكذلك ذكر عن علي عليه السلام وقد سئل عن العامّة فقال « أتباع كلّ ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق » . قال : وانظر إلى أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قام يدعو الخلق إلى اللّه اثنتين وعشرين سنة ، وهو ينزل عليه الوحي ويمليه على أصحابه فيكتبونه ويدونّونه ويلتقطونه لفظة لفظة ، وكان معاوية في هذه المدّة بحيث علم اللّه ، ثم كتب له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قبل وفاته بشهور فأشادوا بذكره ورفعوا من منزلته ، بأن جعلوه
--> ( 1 ) مروج الذهب 3 : 32 - 34 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) مروج الذهب 4 : 20 .